ثم يأتي القرار

ثم يأتي القرار


قد نشعر.
ثم نفكر.
ثم نفهم ما يحدث في داخلنا…
لكن هناك لحظة أخرى لا تقل أهمية:
ثم يأتي القرار.
ماذا سأفعل بهذا الشعور؟
هنا تبدأ مساحة مختلفة في رحلتنا مع أنفسنا.
الشعور لا يقرر وحده
قد أشعر بالغضب.
لكن ماذا سأفعل؟
قد أحزن.
لكن ماذا سأفعل؟
قد أخاف.
لكن ماذا سأفعل؟
قد أشعر بالرفض أو الخذلان أو التعلق أو الرغبة في الهروب…
لكن الشعور، مهما كان قويًا، لا يعني أن عليّ أن أتصرف فورًا بناءً عليه.
فقد يكون الشعور حقيقيًا لأنه موجود في داخلي، لكن طريقة استجابتي له تحتاج إلى وعي.
وهنا تأتي لحظة القرار.
ماذا سأفعل بما أشعر به؟
ربما لا أستطيع أن أختار أول شعور ظهر في داخلي.
قد يأتي الغضب قبل أن أستطيع منعه.
وقد يأتي الحزن قبل أن أفهم سببه.
وقد يظهر الخوف دون أن أطلبه.
لكن يمكنني أن أتعلم أن أختار ما يأتي بعد ذلك.
فليس المطلوب أن أعيش بلا مشاعر.
ولا أن ألوم نفسي على كل إحساس يظهر في داخلي.
بل أن أتعلم أن أقول:
أنا أشعر بهذا… والآن ماذا سأختار؟
هذه الجملة البسيطة تفتح مساحة بين الشعور والفعل.
لحظة صغيرة… لكنها مهمة
أحيانًا تكون لحظة القرار قصيرة جدًا.
ثوانٍ فقط.
رسالة غاضبة أمامي…
وأصابعي تريد أن ترد.
كلمة آلمتني…
وأشعر برغبة في الرد بالمثل.
موقف أخاف منه…
وأريد أن أهرب مباشرة.
طلب لا أريده…
وأشعر أنني سأوافق فقط حتى لا أُغضب أحدًا.
في هذه اللحظة يمكن أن أتوقف.
ليس لألغي شعوري.
بل لأراه.
ثم أسأل:
هل أحتاج أن أتكلم؟
هل أحتاج أن أصمت؟
هل أحتاج أن أسأل؟
هل أحتاج أن أبتعد قليلًا؟
هل ما سأفعله الآن يقودني فعلًا إلى ما أريده؟
فربما تكون الحرية في هذه اللحظة الصغيرة بين الشعور والفعل.
القرار لا يعني أنني لن أخطئ
اختيار الاستجابة الواعية لا يعني أننا سننجح دائمًا.
قد نتوقف أحيانًا…
وقد نندفع أحيانًا أخرى.
قد نختار ما نندم عليه.
وقد نكتشف بعد انتهاء الموقف أننا كنا نستطيع التصرف بطريقة مختلفة.
وهذا لا يعني أن الرحلة انتهت.
فالوعي ليس لحظة واحدة.
إنه تدريب.
وتكرار.
ومراجعة.
وأحيانًا سقوط ثم عودة.
فإذا أخطأت، لا أحتاج أن أبرر خطئي…
ولا أن أكره نفسي.
بل أتحمل مسؤوليتي، وأعود، وأتعلم.
ألاحظ… أفهم… أصلح… ثم أتعلم.
من رد الفعل إلى الاختيار
هناك فرق بين أن أتصرف لأنني شعرت…
وأن أتصرف بعد أن فهمت ما أشعر به.
في الأولى:
الشعور يقودني مباشرة.
وفي الثانية:
الشعور يعطيني إشارة، وأنا أقرر كيف أستجيب.
وهذا لا يجعلني أقل صدقًا مع نفسي.
بل يجعلني أكثر وعيًا بها.
فأنا لا أنكر غضبي.
لكنني لا أسمح له أن يختار كلماتي وحده.
ولا أنكر خوفي.
لكنني لا أجعله يقرر مستقبلي وحده.
ولا أنكر حزني.
لكنني لا أجعل لحظة الحزن تحدد قيمتي أو حكمي على حياتي.
وقفة مع نفسي
تذكري موقفًا قريبًا حدث لك.
ثم اكتبي بهدوء:
ماذا حدث؟
ماذا شعرت؟
ما الفكرة التي ظهرت؟
ماذا فعلت؟
ما النتيجة؟
ثم اسألي نفسك:
لو عاد الموقف مرة أخرى… أين أستطيع أن أتوقف؟
لا تجيبي عن هذه الأسئلة بقسوة.
ولا تبحثي عن خطأ حتى تلومي نفسك.
ابحثي عن المساحة التي كان يمكن أن يبدأ فيها الاختيار.
فربما تكون هذه المساحة هي بداية تغيير حقيقي.
ثم يأتي القرار
بعد أن نفهم الشعور…
وبعد أن ننتبه إلى الفكرة التي جاءت معه…
وبعد أن نفرق بين الشعور والحقيقة…
تأتي لحظة لا يمكن أن نعيش الرحلة دونها:
ماذا سأفعل الآن؟
هنا تظهر مساحة الإنسان.
قد لا أختار الشعور الأول.
لكن يمكنني أن أتعلم اختيار الاستجابة التي تأتي بعده.
ومع كل مرة أتوقف فيها قبل الفعل، أتعلم شيئًا جديدًا عن نفسي.
ومع كل مرة أراجع فيها اختياري، أصبح أكثر وعيًا بالطريق الذي أصنعه.
فالسلوك لا يبدأ من الخارج فقط.
إنه يبدأ من قرار صغير في الداخل.
ثم يأتي القرار…
ومن القرار يبدأ السلوك.
ومن السلوك يبدأ الأثر.
همسة
ليس كل ما أشعر به يحتاج أن يتحول إلى فعل.
وليس كل اندفاع يحتاج إلى استجابة.
أحيانًا يكفي أن أتوقف قليلًا…
وأن أقول لنفسي:
أنا أشعر بهذا…
لكن ماذا سأختار؟
هناك…
في تلك المساحة الصغيرة،
قد يبدأ الفرق.
فكرة توقظنا، وشعور نفهمه، وأثر نتركه.
فكرة وشعور — رحلة القلب إلى ميزان الله