أحيانًا نشعر بشيء بقوة…
حتى يبدو لنا وكأنه حقيقة لا تحتمل النقاش.
نشعر أن شخصًا لا يحبنا، فنقول:
هو لا يحبني.
نشعر أننا فشلنا، فنقول:
أنا فاشلة.
نشعر أن الأمر انتهى، فنقول:
لا يوجد شيء يمكن فعله.
نشعر بالخوف، فنقول:
هذا الأمر سيحدث بالتأكيد.
لكن…
هل ما أشعر به هو نفسه ما أعرفه؟
هنا توجد مساحة دقيقة بين الشعور والحقيقة.
الشعور حقيقي… لكن تفسيره قد لا يكون كذلك
الشعور موجود فعلًا.
إذا شعرت بالخوف، فأنا خائفة.
وإذا شعرت بالحزن، فأنا حزينة.
وإذا شعرت بالرفض، فهذا هو الشعور الذي أعيشه في تلك اللحظة.
لكن وجود الشعور لا يعني بالضرورة أن التفسير الذي جاء معه صحيح.
قد أشعر أن شخصًا يرفضني، بينما ربما كان مشغولًا.
وقد أشعر أنني فشلت، بينما ما حدث قد يكون تجربة واحدة لم تنجح كما أردت.
وقد أشعر أن الطريق انتهى، بينما الحقيقة أن هناك طريقًا آخر لم أره بعد.
ولهذا تقول الفكرة الأساسية:
الشعور حقيقي لأنه موجود، لكن تفسير الشعور ليس بالضرورة حقيقة.
لماذا نخلط بينهما؟
لأن الشعور يأتي إلينا من الداخل، وغالبًا يأتي بسرعة.
لا يقول لنا:
«أنا مجرد شعور.»
بل يأتي وكأنه يخبرنا بما يحدث.
فنشعر بالخوف…
ثم نصدق أن الخطر مؤكد.
نشعر بالرفض…
ثم نصدق أن الآخر لا يريدنا.
نشعر بالعجز…
ثم نصدق أننا فعلًا لا نستطيع.
وهنا يحدث الخلط.
ننتقل من:
أنا أشعر بهذا
إلى:
إذن هذا هو الواقع.
مع أن بين الجملتين فرقًا كبيرًا.
ماذا أشعر؟ وماذا أعرف؟
ربما تكون هذه من أجمل الأسئلة التي يمكن أن نتعلمها في رحلتنا مع أنفسنا.
عندما يأتي شعور قوي، اسألي:
ماذا أشعر؟
ثم اسألي:
ماذا أعرف؟
قد تكون الإجابة مختلفة.
أشعر أنني غير مهمة.
لكن ماذا أعرف؟
ربما لا أعرف إلا أن شخصًا لم يرد على رسالتي.
أشعر أنني مرفوضة.
لكن ماذا أعرف؟
ربما لا أعرف إلا أن شخصًا قال «لا» لطلب واحد.
أشعر أنني لن أستطيع.
لكن ماذا أعرف؟
ربما لم أجرب بعد بالطريقة التي تناسبني.
هذه المسافة بين السؤالين تمنحنا فرصة لأن نرى الصورة بشكل أوسع.
لا نحتاج إلى محاربة الشعور
عندما نكتشف أن الشعور ليس بالضرورة حقيقة، قد نظن أن الحل هو أن نقاومه.
أن نقول:
«لا ينبغي أن أشعر بهذا.»
لكن الشعور لا يحتاج دائمًا إلى حرب.
يمكنني أن أقول:
أنا أشعر بهذا الآن.
ثم أضيف:
لكنني لا أحتاج أن أحوّل هذا الشعور إلى حكم نهائي على نفسي أو على الآخرين.
بهذه الطريقة لا أنكر شعوري…
ولا أعطيه سلطة أكبر مما يستحق.
مساحة صغيرة تغيّر الاستجابة
قد يكون الشعور قويًا جدًا.
لكننا لسنا مضطرين لأن نبني عليه قرارًا فوريًا.
يمكن أن نتوقف.
نلاحظ الشعور.
نفهم الفكرة التي جاءت معه.
ثم نسأل:
هل ما أشعر به هو كل الحقيقة؟
هذا السؤال لا يلغي ما نشعر به.
لكنه يفتح نافذة أخرى.
فربما يكون هناك جزء من الحقيقة لم نره.
وربما يكون تفسيرنا ناقصًا.
وربما نحتاج إلى معلومات أكثر قبل أن نحكم.
جربي هذه الوقفة
في المرة القادمة التي تشعرين فيها بانفعال قوي، اكتبي أربع جمل:
أنا أشعر بـ…
الفكرة التي جاءت مع شعوري هي…
الذي أعرفه فعلًا هو…
والذي لا أعرفه بعد هو…
ثم اتركي لنفسك مساحة.
لا تستعجلي الحكم.
لا تستعجلي القرار.
فمجرد التفريق بين ما تشعرين به وما تعرفينه قد يغيّر الطريقة التي ترين بها الموقف.
من الشعور إلى الاختيار
عندما نفصل بين الشعور والحقيقة، لا تنتهي الرحلة.
بل تبدأ مرحلة جديدة.
لأن السؤال لم يعد فقط:
ماذا أشعر؟
بل يصبح:
ماذا سأفعل الآن؟
قد أغضب.
قد أحزن.
قد أخاف.
لكن ماذا سأفعل؟
هنا تبدأ لحظة الاختيار التي تأتي بعد الفكرة والشعور.
وهذه المساحة لا تعني أن الاختيار سيكون سهلًا دائمًا.
إنها تدريب.
وتكرار.
ومراجعة.
وأحيانًا سقوط ثم عودة.
لكننا نتعلم شيئًا مهمًا:
قد لا أختار أول شعور ظهر في داخلي، لكن يمكنني أن أتعلم اختيار ما يأتي بعده.
بين الشعور والحقيقة
ربما لا نحتاج أن نسأل أنفسنا دائمًا:
«هل شعوري صحيح أم خاطئ؟»
بل يمكن أن نسأل سؤالًا أهدأ:
ما الذي يخبرني به شعوري؟
ثم:
وما الذي أعرفه فعلًا؟
فالشعور قد يكون رسالة.
والتفسير قد يكون محاولة لفهم الرسالة.
لكن الحقيقة تحتاج إلى أن نراها كما هي، لا كما أخبرنا انفعالنا عنها.
وهنا تبدأ مساحة أوسع من الوعي…
مساحة لا ننكر فيها مشاعرنا، ولا نسلمها قيادة حياتنا بالكامل.
أشعر… أفهم… أتحقق… ثم أختار.
وهكذا نقترب خطوة أخرى من الأثر الذي نريد أن نتركه.
همسة
ليس كل ما نشعر به حقيقة…
وليس كل ما نفكر فيه بعد الشعور حقيقة أيضًا.
لكن كل شعور يستحق أن نتوقف عنده قليلًا.
أن نراه.
أن نفهمه.
ثم نسأل بهدوء:
ماذا أعرف فعلًا؟
فقد تكون الحقيقة أوسع من الشعور…
وقد تكون المساحة بينهما هي المكان الذي يبدأ فيه الاختيار.
فكرة وشعور — رحلة القلب إلى ميزان الله
