المشاعر لاتعمل وحدها

المشاعر لاتعمل وحدها


أحيانًا نشعر بشيء قوي،
فنظن أن الشعور جاء وحده.
نقول:
أنا غاضبة.
أنا خائفة.
أنا حزينة.
أنا مرتاحة.
لكن هل الشعور يعمل وحده فعلًا؟
أم أن هناك أشياء تحدث قبله، وأشياء أخرى تحدث معه، ثم تؤثر فيما نفعله بعد ذلك؟
ربما المشاعر ليست وحدها في القصة.
الموقف واحد… والشعور قد يختلف
تخيلي أن شخصًا لم يرد على رسالتك.
قد تشعرين بالقلق.
وقد تشعرين بالغضب.
وقد تقولين: ربما هو مشغول.
وقد لا يعني لك الأمر شيئًا أصلًا.
الموقف واحد.
لكن المشاعر مختلفة.
لماذا؟
لأن ما يحدث داخل الإنسان لا يعتمد على الحدث وحده، بل يتأثر أيضًا بالطريقة التي يفهم بها ما حدث.
قد يكون في داخلك اعتقاد سابق.
أو تجربة قديمة.
أو توقع معين.
أو خوف لم تنتبهي إليه.
وهكذا يدخل الحدث إلى داخلك، ثم يأخذ معنى.
وهذا المعنى قد يؤثر في شعورك.
ماذا يحدث بين الموقف والشعور؟
أحيانًا نتصور أن التسلسل بسيط:
حدث → شعور.
لكن بينهما قد توجد أشياء كثيرة.
حدث شيء.
فهمناه بطريقة معينة.
ظهرت فكرة.
ثم جاء الشعور.
ثم استجبنا له.
ولهذا قد يكون من المفيد ألا نسأل فقط:
ماذا حدث؟
بل نسأل أيضًا:
كيف فهمت ما حدث؟
لأن تفسيرنا قد يغير الطريقة التي نعيش بها الموقف.
عندما نخلط بين التفسير والحقيقة
قد يقول شخص:
«لم يرد عليّ، إذن هو لا يهتم بي.»
لكن هناك فرق بين الأمرين.
الأول حدث يمكن ملاحظته:
لم يرد.
أما الثاني فهو تفسير:
هو لا يهتم بي.
وقد يكون صحيحًا…
وقد لا يكون.
المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع تفسيرنا وكأنه حقيقة مؤكدة.
عندها قد نشعر بالحزن أو الرفض أو الغضب بناءً على شيء لم نتأكد منه أصلًا.
ولهذا نحتاج إلى مساحة صغيرة بين:
ما حدث
و
ما فهمته مما حدث.
الشعور حقيقي… لكن تفسيره يحتاج انتباهًا
إذا شعرتِ بالخوف، فخوفك حقيقي بوصفه شعورًا تعيشينه.
ولا نحتاج إلى أن نقول:
«لا ينبغي أن أشعر بالخوف.»
لكننا أيضًا لا نحتاج إلى أن نقول:
«بما أنني خائفة، إذن ما أخشاه سيحدث.»
هناك فرق.
يمكنني أن أعترف بشعوري دون أن أجعله دليلًا قاطعًا على المستقبل.
أقول:
أنا خائفة.
ثم أسأل:
ما الذي أخشاه؟
وبعدها:
هل ما أخشاه حقيقة تحدث الآن، أم احتمال أفكر فيه؟
هنا يبدأ الوعي.
والمشاعر الجميلة تحتاج إلى وعي أيضًا
قد نظن أن المشكلة فقط في المشاعر التي تؤلمنا.
لكن حتى المشاعر التي نحبها تحتاج إلى توازن.
الحب جميل…
لكن الحب لا يعني أن أفقد نفسي.
الفرح جميل…
لكن الفرح لا يعني أن أتجاهل مسؤولياتي.
التعلق قد يشعرنا بالقرب…
لكن القرب لا يعني أن أفقد حريتي واستقلالي.
المشاعر الجميلة لا تصبح خطأ لأنها جميلة.
لكنها تحتاج إلى أن تبقى في مكانها الصحيح.
لماذا نحتاج إلى فهم ما وراء الشعور؟
لأن الشعور قد يكون بداية سؤال.
قد أشعر بالغضب، فأكتشف أن وراءه خوفًا.
وقد أشعر بالتعلق، فأكتشف أن وراءه احتياجًا إلى الأمان.
وقد أشعر بالحزن، فأكتشف أنني فقدت شيئًا كان مهمًا بالنسبة لي.
وقد أشعر بالضيق، فأكتشف أنني تجاوزت حدود طاقتي.
لا يعني هذا أن لكل شعور تفسيرًا واحدًا.
لكن محاولة الاقتراب منه قد تكشف لنا شيئًا عن أنفسنا.
ثم تأتي الاستجابة
هنا النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها.
قد لا أختار الشعور الأول الذي ظهر في داخلي.
لكن يمكنني أن أتعلم اختيار ما أفعله بعد ظهوره.
قد أغضب…
لكنني أستطيع أن أؤجل الكلام حتى أهدأ.
قد أخاف…
لكنني أستطيع أن أراجع الأمر بدل أن أهرب فورًا.
قد أحزن…
لكنني أستطيع أن أعطي نفسي وقتًا دون أن أحكم على حياتي كلها من خلال يوم حزين.
المشاعر موجودة.
لكنها ليست وحدها التي تقرر.
لا تلومي نفسك على الشعور
من أكثر الأمور التي ترهق الإنسان أن يشعر بشعور، ثم يبدأ بلوم نفسه لأنه شعر به.
«لماذا أغار؟»
«لماذا أخاف؟»
«لماذا أنا متعلقة؟»
«لماذا غضبت؟»
وقد يتحول الشعور الأول إلى شعور آخر بسبب هذا اللوم.
بدل أن نفهم أنفسنا، نبدأ بمحاكمتها.
لكن ربما كان الأهدأ أن نقول:
هذا هو الشعور الذي ظهر الآن.
ثم ننظر إليه.
ليس علينا أن نحبه.
ولا أن نرفضه.
فقط نفهمه.
وقفة مع نفسك
عندما يأتيك شعور قوي، جربي ألا تتوقفي عنده وحده.
قولي:
ماذا حدث؟
ثم:
كيف فسرت ما حدث؟
ثم:
ما الشعور الذي ظهر؟
ثم:
ما الذي يدفعني إليه هذا الشعور؟
وأخيرًا:
هل هذه الاستجابة هي ما أريد اختياره فعلًا؟
قد تكتشفين أن تغيير خطوة واحدة في هذه السلسلة يغير ما يأتي بعدها.
فكرة وشعور
المشاعر ليست منفصلة عن حياتنا.
إنها تتأثر بما يحدث حولنا، وبما نحمله في داخلنا، وبالطريقة التي نفهم بها الأحداث.
ولهذا لا يكفي أن نقول:
أنا أشعر.
أحيانًا نحتاج أن نكمل:
أنا أشعر… وأريد أن أفهم لماذا.
ثم:
فهمت ما يحدث داخلي… والآن أستطيع أن أختار.
وهذه المساحة بين الشعور والاستجابة قد تكون من أهم المساحات التي نتعلم أن نحافظ عليها.
لأننا لا نريد أن نعيش بلا مشاعر…
ولا أن نعيش أسرى لها.
نريد أن نشعر، ونفهم، ثم نختار.
همسة
الشعور ليس قصة كاملة.
إنه جزء من القصة…
والوعي يساعدنا على قراءة ما قبله وما بعده.
— فكرة وشعور