كم مرة شعرتِ بالحزن… ثم حاولتِ أن تتخلصي منه سريعًا؟
كم مرة خفتِ من شيء، فقلتِ لنفسك:
لا يجب أن أخاف.
أو غضبتِ، ثم شعرتِ بالذنب لأنك غضبتِ؟
كأننا أحيانًا نتعامل مع مشاعرنا وكأنها ضيوف غير مرغوب فيهم.
نفتح الباب للشعور الجميل…
ونحاول إغلاقه في وجه الخوف والحزن والغضب.
لكن ماذا لو لم تأتِ هذه المشاعر لتؤذينا؟
ماذا لو كانت تحاول أن تخبرنا بشيء؟
لماذا نخاف من مشاعرنا؟
ربما لأن بعض المشاعر مؤلمة.
نحن لا نحب أن نشعر بالحزن، ولا نرتاح للخوف، ولا نحب أن نرى الغضب في داخلنا.
فنحاول إخفاءها.
ننشغل عنها.
نقنع أنفسنا أن كل شيء بخير.
أو نلوم أنفسنا لمجرد أننا شعرنا بها.
لكن وجود الشعور لا يعني أننا أخطأنا.
أن تشعري ليس هو المشكلة.
السؤال الأهم هو:
ماذا أفعل بما أشعر به؟
فالمشاعر قد تكون جزءًا من تجربتنا الإنسانية، لكنها لا يجب أن تصبح وحدها من يقرر تصرفاتنا.
لكل شعور رسالة
الخوف قد يقول:
انتبه… هناك شيء تخشى أن تخسره أو تتأذى منه.
والحزن قد يقول:
هناك شيء كان مهمًا بالنسبة لك وفقدتَه أو تغير.
والغضب قد يقول:
هناك أمر تجاوز حدًا مهمًا لديك.
وهذا لا يعني أن كل ما يقوله الشعور صحيح أو أن استجابته هي التصرف المناسب.
لكن ربما يستحق أن نستمع إليه قبل أن نحاول إسكاتَه.
الشعور مثل رسالة وصلت إلى الداخل.
لا نرمي الرسالة لأننا لم نحب محتواها.
بل نقرأها أولًا.
ثم نسأل:
هل فهمت ما تحاول أن تخبرني به؟
الشعور لا يعطيك دائمًا الحقيقة
هناك فرق مهم بين أن أقول:
أنا أشعر أنني غير مهمة.
وبين أن أقول:
أنا غير مهمة.
الأولى تصف تجربة داخلية.
أما الثانية فتحوّل الشعور إلى حكم على الحقيقة.
قد أشعر بالرفض، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنني مرفوضة.
وقد أشعر بالعجز، لكن هذا لا يعني أنني عاجزة.
وقد أشعر أن الجميع ضدي، بينما قد يكون ما يحدث مختلفًا تمامًا عما أشعر به.
لذلك نحتاج إلى مساحة صغيرة بين الشعور والحكم.
في هذه المساحة نستطيع أن نفهم قبل أن نصدق.
أحيانًا يتكلم الجسد قبلنا
قد لا نعرف كيف نصف ما نشعر به، لكن أجسادنا قد تعطينا إشارات.
يتغير صوتنا.
تتسارع أنفاسنا.
نصمت.
نبتعد.
نشعر بتوتر في أجسادنا.
وقد يحدث كل ذلك قبل أن نجد الكلمات التي تصف ما يحدث في داخلنا.
لكن علينا أن ننتبه:
الإشارة ليست حكمًا.
لا نحكم على أنفسنا من حركة واحدة، ولا نحكم على الآخرين من تعبير عابر.
نتوقف.
نلاحظ.
ثم نسأل.
ثم نفهم برفق.
ماذا لو كان الشعور قديمًا؟
ليس كل شعور يبدأ في اللحظة التي نشعر به فيها.
قد يوقظ موقف صغير ذكرى قديمة.
كلمة عابرة قد تلمس شيئًا مؤلمًا.
موقف بسيط قد يجعلنا نبالغ في الخوف أو الغضب.
وهنا قد نتساءل:
لماذا كان تأثير هذا الموقف كبيرًا إلى هذه الدرجة؟
ربما لأن الحاضر لمس شيئًا من الماضي.
وهذا لا يعني أن كل شعور سببه جرح قديم، لكن معرفة أن المشاعر قد تتأثر بما مررنا به تساعدنا على التعامل معها بوعي بدل أن نستغرب أنفسنا.
فالكتاب نفسه يوضح أن الشعور قد يبدأ من موقف عابر، وقد توقظه ذكرى قديمة، وقد يظهر أحيانًا دون أن نفهم سببه مباشرة.
لا تحاربي شعورك… افهميه
عندما يأتي شعور لا تحبينه، جربي ألا تبدئي بالسؤال:
كيف أتخلص منه؟
بل:
ماذا يريد أن يخبرني؟
إذا كان خوفًا:
ما الذي أخشاه؟
إذا كان حزنًا:
ما الذي فقدته أو تغير؟
إذا كان غضبًا:
ما الذي شعرت أنه تجاوز حدًا مهمًا بالنسبة لي؟
إذا كان تعلقًا:
ما الذي أبحث عنه في هذا الشخص؟
وإذا لم تعرفي الإجابة فورًا، فلا بأس.
بعض المشاعر تحتاج وقتًا حتى نفهم لغتها.
لكن الاستماع لا يعني الطاعة
هذه نقطة مهمة جدًا.
أن أستمع إلى شعوري لا يعني أن أنفذ كل ما يطلبه مني.
قد أشعر بالغضب…
لكن هذا لا يعني أن أجرح.
وقد أشعر بالخوف…
لكن هذا لا يعني أن أهرب من كل شيء.
وقد أشعر بالتعلق…
لكن هذا لا يعني أن أفقد نفسي.
وقد أشعر بالحزن…
لكن هذا لا يعني أن أفقد الأمل.
الشعور يحتاج أن يُسمع،
لكن السلوك يحتاج أن يُختار.
وهنا تبدأ المساحة التي نحتاجها بين ما أشعر به وما أفعله.
ماذا يحدث عندما نفهم شعورنا؟
عندما نفهم الشعور، قد تتغير طريقة تعاملنا معه.
بدل أن يتحول إلى تصرف تلقائي، يصبح شيئًا نستطيع ملاحظته وفهمه.
فما يحدث في الداخل قد يسير في سلسلة:
شعور → تفسير → استجابة → سلوك → أثر.
ولهذا فإن فهم البداية قد يساعدنا على تغيير ما يأتي بعدها.
قد لا نستطيع منع الشعور من الظهور…
لكن يمكننا أن نتعلم كيف نستجيب له.
وقفة مع نفسك
في المرة القادمة التي يأتيك فيها شعور لا تحبينه، لا تتعجلي في طرده.
اجلسي معه قليلًا.
قولي:
أنا أشعر بـ……
ثم اسألي:
ما الذي حدث قبل هذا الشعور؟
ما الذي أخشاه أو أحتاج إليه؟
هل ما أشعر به يصف الحقيقة، أم يصف حالتي الآن؟
ثم اسألي السؤال الأهم:
ما التصرف الذي أختاره وأنا هادئة، وليس التصرف الذي يدفعني إليه اندفاع اللحظة؟
قد لا تتغير مشاعرك فورًا.
لكن شيئًا آخر قد يتغير:
علاقتك بها.
الشعور ليس عدوًا
ربما لم نكن بحاجة إلى أن نصبح بلا خوف.
ولا بلا حزن.
ولا بلا غضب.
ربما كنا بحاجة إلى أن نتعلم كيف نفهم هذه المشاعر دون أن نسمح لها بقيادة حياتنا.
أن نعطيها حقها في أن تُسمع…
دون أن نعطيها حقها في أن تقرر كل شيء.
فالشعور ليس عدوًا.
إنه جزء من الرسائل التي تصل إلينا من الداخل.
ونحن لا نحتاج إلى محاربته…
بل إلى قراءته، وفهمه، ثم اختيار الطريق الذي نمضي فيه.
فكرة وشعور
قد يأتي الشعور قبل أن نفهمه.
وقد يسبق الكلمات.
وقد يربكنا أحيانًا.
لكن وجوده لا يجعلنا ضعفاء، ولا يجعلنا سيئين.
نحن لسنا كل شعور يمر بنا.
نحن أيضًا الطريقة التي نفهم بها هذا الشعور، والقرار الذي نختاره بعد أن نفهمه.
ولهذا ربما يكون السؤال الأهدأ الذي يمكن أن نطرحه على أنفسنا:
ليس: كيف أتخلص مما أشعر به؟
بل:
ماذا يحاول هذا الشعور أن يعلمني عني؟
همسة
لا تخافي من شعورك لمجرد أنه مؤلم.
اقتربي منه بهدوء…
فربما لم يأتِ ليؤذيك،
بل ليخبرك عن شيء في داخلك يحتاج أن يُفهم.
— فكرة وشعور
